عبد القادر السلوي
912
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
جعفر المنصور المعروف بابن الكردية ، وهو جعفر الأصغر ، يستخفّ « 1 » مطيع بن إياس « 2 » ويحبّه ، وكان له منه منزلة حسنة ، فذكر له حمادا الرواية ، وكان صديقا له ، وكان مطّرحا مجفوّا في أيامهم ، فقال له جعفر : ايتنا به لنراه ، فأتى مطيع حمادا فأخبره بذلك ، فقال حماد : دعني قد ذهبت دولتي مع بني أمية ، ومالي عند هؤلاء من خير ، فألحّ عليه مطيع في الذهاب فاستعار سوادا وسيفا ثم أتى مطيعا ، فذهب به إلى جعفر فلمّا دخل عليه : سلّم سلاما حسنا ، وذكر مطيع فضله . فردّ عليه جعفر وأمره بالجلوس فجلس ، فقال جعفر : أنشدني ، فقال : ألشاعر معيّن أم لمن حضر ؟ قال : بل أنشدني لجرير ، قال : فسلخ شعر جرير كلّه من صدري إلّا قوله « 3 » : ( تام الكامل ) بان الخليط برامتين فودّعوا * أو كلّما اعتزموا لبين تجزع حتى انتهيت إلى قوله : وتقول بوزع قد دببت على العصا * هلّا هزئت بغيرنا يا بوزع قال حماد : فقال لي جعفر : أعد هذا البيت فأعدته ، فقال : بوزع إيش هو ؟ فقلت : اسم امرأة فقال : امرأة اسمها بوزع ؟ هو برئ من الله ورسوله ونفيّ من العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلّا غولا من الغيلان ! تركتني يا هذا لا أنام الليلة من فزع بوزع ، يا غلمان ! قفاه . فصفعت والله حتى لم أدر أين أنا . ثم قال : جرّوه برجله ، فجرّوا برجلي ، حتى أخرجت من بين يديه مسحوبا ، فتخرّق السواد وانكسر جفن السيف ، ولقيت شرّا عظيما ممّا جرى عليّ ، وكان أغلظ شيء وأشدّ بلاء عليّ إغرامي جفن السيف وثمن السّواد . فلمّا انصرفت أتاني مطيع يتوجّع لي ،
--> ( 1 ) يستخفّه : خلاف يستثقله . ( اللسان : خفف ) . ( 2 ) هو أبو سلمى الكنانيّ شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية ، كان ظريفا خليعا حلو المعاشرة انقطع في الدولة العباسية إلى جعفر بن أبي جعفر المنصور ( - 166 ه ) طبقات ابن المعتز 93 - 95 والأغاني 13 / 273 - 336 ومعجم الشعراء 480 وأمالي المرتضى 1 / 142 - 144 وتاريخ بغداد 13 / 225 - 226 والأعلام 7 / 255 . ( 3 ) أول قصيدة طويلة في هجاء الفرزدق وهي في ديوانه 909 - 919 .